يتجه المغرب وفرنسا نحو توقيع “معاهدة صداقة استراتيجية” غير مسبوقة، من المرتقب أن تُبرم خلال زيارة دولة يقوم بها الملك محمد السادس إلى باريس، في خطوة وصفها وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بأنها “حدث سياسي وقانوني وتاريخي غير مسبوق”، مؤكداً أنها ستكون أول معاهدة من نوعها تبرمها فرنسا مع دولة من خارج القارة الأوروبية.

إعلان مشترك من الرباط

جاء الإعلان عن هذه المعاهدة خلال مؤتمر صحفي مشترك جمع بوريطة بنظيره الفرنسي جان-نويل بارو بالرباط، حيث أكد الجانب الفرنسي أن هذا الإطار يهدف إلى وضع أساس استراتيجي للعلاقات بين البلدين يمتد على مدى العقود المقبلة، بما يتجاوز التقلبات السياسية الظرفية التي قد تعرفها الحكومات المتعاقبة في باريس أو الرباط.

لجنة مشتركة ترسم ملامح العقود الثلاثة القادمة

في إطار التحضير لهذه المعاهدة، شُكلت لجنة مشتركة تضم اثني عشر شخصية من الجانبين المغربي والفرنسي، أوكلت إليها مهمة رسم المعالم الاستراتيجية للعلاقات الثنائية خلال العقود الثلاثة المقبلة. ويستند هذا الإطار الجديد إلى تجارب أوروبية بارزة في مجال الشراكات الاستراتيجية طويلة الأمد، من قبيل المعاهدة الفرنسية الألمانية الموقعة سنة 1963، والمعاهدة الفرنسية الإيطالية لسنة 2021، بهدف إرساء آلية مؤسساتية تضمن استمرارية التعاون بين البلدين بعيداً عن أي تحولات سياسية عابرة.

مسار تصالحي بعد سنوات من الفتور

تأتي هذه الخطوة استمراراً لمسار تصالحي بين الرباط وباريس، بعدما شهدت العلاقات الثنائية فتوراً ملحوظاً خلال السنوات السابقة. وشكلت زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب سنة 2024، والتي استمرت ثلاثة أيام، محطة مفصلية في مسار تطبيع العلاقات، إذ قدم ماكرون خلالها دعماً فرنسياً صريحاً لمخطط الحكم الذاتي المغربي في الصحراء “تحت السيادة المغربية”، معتبراً إياه الأساس الوحيد للتوصل إلى تسوية سياسية عادلة ودائمة لهذا النزاع.

ملفات متعددة على طاولة اللجنة العليا المشتركة

من المرتقب أن تجتمع اللجنة العليا المشتركة بين حكومتي البلدين خلال فصل الخريف، تحضيراً لزيارة الدولة الرسمية، على أن تُناقش خلالها ملفات متعددة تهم العلاقات الثنائية، من بينها ملف الهجرة، حيث تحدث وزير الداخلية الفرنسي خلال زيارة سابقة للرباط عن اتفاق يهدف إلى “تحسين التعاون” بين البلدين، من خلال إنشاء مجموعة عمل مشتركة مكلفة بالبحث في وضعية عدد من المهاجرين المغاربة غير النظاميين المقيمين على الأراضي الفرنسية.

أبعاد اقتصادية واستراتيجية للمعاهدة المرتقبة

يرى محللون في العلاقات الدولية أن هذه المعاهدة، إن أُبرمت فعلاً بالشكل المعلن عنه، ستشكل سابقة تاريخية في العلاقات الفرنسية الإفريقية، وتعكس اعترافاً فرنسياً متزايداً بالمكانة الاستراتيجية المتنامية للمغرب كشريك محوري في المنطقة، سواء من الناحية الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية. وتأتي هذه الدينامية في سياق تنافس دولي متزايد على النفوذ في شمال إفريقيا والساحل، حيث يسعى المغرب لترسيخ موقعه كبوابة استراتيجية نحو إفريقيا لصالح شركائه الأوروبيين.

ترقب لموعد الزيارة الملكية

يبقى الإعلان الرسمي عن الموعد الدقيق لزيارة الدولة التي سيقوم بها الملك محمد السادس إلى باريس معلقاً على نتائج اجتماعات اللجنة العليا المشتركة المرتقبة خلال الخريف، في وقت يترقب فيه مراقبو الشأن الدبلوماسي المغربي الفرنسي تفاصيل إضافية حول مضمون هذه المعاهدة “التاريخية” التي قد تعيد رسم ملامح العلاقة بين البلدين للعقود المقبلة.

شارك المقال:
الاطّلاع على التعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *