سجلت أسعار الوقود في فرنسا ارتفاعاً جديداً، إذ بلغ متوسط سعر لتر الديزل نحو 2.41 يورو، في مستوى قياسي جديد يعكس استمرار الضغوط على سوق الطاقة الأوروبية، في وقت لا تزال فيه أسواق النفط العالمية تحت تأثير تداعيات التوترات والحرب في الشرق الأوسط.
وأظهرت بيانات الأسعار التي حللتها وكالة فرانس برس، استناداً إلى أكثر من 8700 محطة وقود مدرجة ضمن قاعدة بيانات وزارة الاقتصاد الفرنسية، أن سعر الديزل تجاوز المستوى القياسي المسجل في اليوم السابق، ليصل إلى نحو 2.41 يورو للتر. (tf1info.fr)
ولا يتعلق الأمر بالديزل وحده، إذ واصلت أسعار البنزين بدورها تسجيل مستويات مرتفعة، ما يزيد من كلفة التنقل بالنسبة إلى ملايين الفرنسيين ويعيد ملف أسعار المحروقات إلى واجهة النقاش الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
البنزين يتجاوز بدوره مستويات مرتفعة
وبلغ متوسط سعر لتر البنزين 95 أوكتان الخالي من الرصاص، الأكثر استخداماً في فرنسا، أكثر من 2.17 يورو، وفق بيانات جرى جمعها من آلاف محطات التوزيع.
وبذلك حافظ هذا النوع من الوقود على مستوى يفوق الذروة التي عرفها السوق الفرنسي خلال أزمة أسعار الطاقة في عام 2022، في مؤشر على استمرار الضغط الذي تواجهه السوق رغم التراجع الطفيف الذي سجلته أسعار النفط الخام خلال الأيام الأخيرة.
كما تجاوز متوسط سعر لتر البنزين 98 أوكتان مستوى 2.28 يورو، وفق البيانات المتاحة من أكثر من 6800 محطة وقود.
وتختلف الأسعار بطبيعة الحال من محطة إلى أخرى، بحسب المنطقة وشروط التوزيع وتوقيت تحديث الأسعار، لكن المتوسط الوطني يعطي صورة واضحة عن حجم الزيادة التي يتحملها المستهلك الفرنسي. وتعتمد السلطات الفرنسية في متابعة هذه التطورات على قاعدة بيانات رسمية يتم تحديثها بشكل مستمر. (data.economie.gouv.fr)
الشرق الأوسط يرفع كلفة الطاقة
ويأتي هذا الارتفاع في وقت تشهد فيه سوق النفط الدولية اضطرابات مرتبطة بالتطورات العسكرية والجيوسياسية في الشرق الأوسط، وهو ما انعكس على تكلفة الخام وعلى أسعار المنتجات النفطية في عدد من الأسواق.
ووفق المعطيات التي أوردتها فرانس برس، ارتفعت أسعار النفط الخام بنحو 20 في المائة خلال شتنبر، قبل أن تعرف تراجعاً خلال الأيام الثلاثة الأخيرة.
غير أن هذا التراجع لم يكن كافياً لتخفيف الضغوط عن الأسواق الأوروبية، إذ ظل سعر برميل خام برنت، الذي يعد مرجعاً أساسياً في التسعير العالمي للنفط، فوق مستوى 100 دولار.
ويترجم ارتفاع أسعار الخام، إلى جانب تكاليف النقل والتأمين والتكرير، تدريجياً إلى أسعار أعلى في محطات الوقود، وإن كان تأثيره لا يظهر في جميع المحطات بالسرعة نفسها.
مخاوف من عودة احتجاجات «السترات الصفراء»
وارتفع القلق في فرنسا من أن يتحول غلاء المحروقات مجدداً إلى عامل للتوتر الاجتماعي، خصوصاً أن ذاكرة البلاد لا تزال تستحضر احتجاجات «السترات الصفراء» التي اندلعت سنة 2018، وكان ارتفاع أسعار الوقود أحد أبرز أسبابها.
وتراقب الحكومة الفرنسية تطورات الأسعار عن كثب، في ظل مخاوف من أن يؤدي استمرار الارتفاع إلى زيادة الضغط على الأسر، خصوصاً الفئات التي تعتمد بشكل كبير على السيارات في التنقل اليومي أو في العمل.
ولا يمثل الوقود بالنسبة إلى الفرنسيين مجرد تكلفة مرتبطة بالنقل، إذ ينعكس ارتفاعه أيضاً على كلفة نقل السلع والخدمات، وبالتالي على أسعار عدد من المنتجات في السوق.
الحكومة الفرنسية تواجه ضغطاً متزايداً
وأمام هذا الوضع، بدأت السلطات الفرنسية في اعتماد إجراءات تستهدف التخفيف من آثار الارتفاع بالنسبة إلى بعض الفئات المتضررة.
وكانت وزارة الاقتصاد قد أعلنت عن آلية دعم موجهة لفائدة عدد من العمال الذين يعتمدون على سياراتهم في التنقل المهني، ضمن إجراءات تهدف إلى الحد من تأثير ارتفاع أسعار المحروقات على الدخول المحدودة. (economie.gouv.fr)
لكن استمرار ارتفاع أسعار النفط يضع هذه التدابير أمام اختبار صعب، خصوصاً إذا استمرت الأسعار العالمية في مستويات مرتفعة لفترة أطول.
أسعار الوقود تقترب من حاجز جديد
وتكشف المعطيات المسجلة في محطات مختلفة من فرنسا أن المتوسط الوطني لا يعكس دائماً أعلى الأسعار التي يدفعها المستهلكون فعلياً، إذ تجاوز سعر لتر الديزل في بعض المحطات 2.50 يورو، ما يجعل فارق الأسعار بين المناطق والمحطات عاملاً إضافياً في تحديد العبء على الأسر.
ويظل سعر الوقود مرتبطاً بمجموعة من العوامل، في مقدمتها سعر النفط الخام، وأسعار التكرير، والضرائب، وتكاليف النقل والتوزيع، إضافة إلى ظروف السوق الدولية.
وفي ظل استمرار هذه المعطيات، باتت أسعار المحروقات واحدة من أبرز المؤشرات التي تترجم بصورة مباشرة تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية العالمية على الحياة اليومية للمواطن الأوروبي.
أزمة الطاقة تختبر قدرة الحكومة على الاحتواء
ولا تبدو مشكلة أسعار الوقود في فرنسا مرتبطة بالسوق المحلية وحدها، بل تعكس بدرجة كبيرة حالة عدم الاستقرار التي تعرفها أسواق الطاقة العالمية.
فحتى مع تسجيل تراجع محدود في أسعار الخام خلال الأيام الأخيرة، فإن بقاء برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل يواصل الضغط على أسعار المشتقات النفطية.
وبالنسبة إلى فرنسا، يظل التحدي مزدوجاً: حماية القدرة الشرائية للأسر والعمال من جهة، ومحاولة الحد من انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى بقية الأسعار من جهة أخرى.
وفي انتظار اتجاهات السوق خلال الأسابيع المقبلة، يظل السؤال المطروح هو ما إذا كانت موجة الغلاء الحالية ستتوقف عند محطات الوقود، أم أنها ستجد طريقها مجدداً إلى مختلف أسعار السلع والخدمات، بما قد يعيد أزمة المحروقات إلى صدارة النقاش الاقتصادي والاجتماعي الفرنسي.








