تحتضن العاصمة السنغالية دكار، الأربعاء 30 شتنبر 2026، لقاءً مهنياً يخصص لمناقشة آفاق الشراكة الاقتصادية بين المغرب والسنغال، مع التركيز على الإطار القانوني للأعمال ورهانات المحتوى المحلي، في ظل توجه البلدين نحو توسيع التعاون الاقتصادي وتعزيز حضور الفاعلين في القطاع الخاص.
وينظم اللقاء سفارة المملكة المغربية بالسنغال بشراكة مع غرفة التجارة والصناعة والفلاحة بدكار، تحت عنوان: «الشراكة الاقتصادية بين المغرب والسنغال: الإطار القانوني لمنظمة تنسيق قوانين الأعمال في إفريقيا (OHADA) ورهانات المحتوى المحلي». ووفق المعطيات المنشورة حول اللقاء، سيجمع الموعد فاعلين اقتصاديين مغاربة وسنغاليين ومسؤولين وممثلين عن المؤسسات والإدارات المعنية، إلى جانب خبراء في قانون الأعمال والمحتوى المحلي.
ويأتي هذا النقاش في وقت تحاول فيه دكار توجيه اقتصادها نحو مرحلة جديدة من التحول، في إطار رؤية «السنغال 2050» التي تجعل من بناء اقتصاد تنافسي وسيادي، وتطوير سلاسل القيمة، وتعزيز التصنيع والتحول المحلي، من بين محاورها الأساسية. وتضع الخطة الرسمية للسنغال مسألة رفع القيمة المضافة المحلية وتعزيز تنافسية الشركات والاقتصاد الوطني ضمن أهدافها الاقتصادية.
من التجارة إلى شراكات إنتاجية
ويكتسب اللقاء أهمية إضافية بالنظر إلى التحول التدريجي الذي تعرفه العلاقات الاقتصادية المغربية السنغالية، والتي لم تعد تقتصر على المبادلات التجارية، بل تتجه نحو الاستثمار والشراكات الصناعية وربط سلاسل القيمة.
وكانت الدورة الخامسة عشرة للجنة الكبرى المختلطة للتعاون المغربي السنغالي قد انعقدت في الرباط يوم 26 يناير 2026، برئاسة رئيس الحكومة المغربي عزيز أخنوش ونظيره السنغالي عثمان سونكو، وانتهت بتوقيع 17 اتفاقاً للتعاون شملت قطاعات من بينها الصناعة والاقتصاد الرقمي والموانئ والفلاحة والنقل والصحة والتعليم العالي والمالية.
وفي اليوم الموالي، احتضنت الدار البيضاء المنتدى الاقتصادي المغربي السنغالي بمشاركة عدد من المسؤولين والفاعلين الاقتصاديين من البلدين، حيث جرى التركيز على توسيع الاستثمارات والشراكات التجارية والصناعية، والانتقال بالعلاقات الاقتصادية الثنائية إلى مستوى أكثر ارتباطاً بالإنتاج وخلق القيمة.
هذه الدينامية تجعل من لقاء دكار محطة لمناقشة الجانب العملي والقانوني الذي تحتاجه الاستثمارات حتى تنتقل من الاتفاقات والإعلانات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ وشراكات طويلة الأمد.
لماذا يحضر قانون OHADA؟
ومن أبرز محاور اللقاء الإطار القانوني لمنظمة تنسيق قوانين الأعمال في إفريقيا «OHADA»، وهي منظومة قانونية تضم 17 دولة إفريقية، من بينها السنغال، وتهدف إلى توحيد وتبسيط قواعد قانون الأعمال وتعزيز الأمن القانوني والقضائي للاستثمار. وتدرج المنظمة ضمن أهدافها دعم الاندماج الاقتصادي وتحسين مناخ الأعمال في الدول الأعضاء.
ولا يعد حضور OHADA في النقاش المغربي السنغالي أمراً عرضياً. فخلال زيارة العمل التي قام بها الأمين الدائم للمنظمة إلى المغرب في ماي 2026، ناقش مسؤولون مغاربة وأعضاء في المنظمة سبل تطوير التعاون في مجال قانون الأعمال، مع التأكيد على تنامي العلاقات الاقتصادية بين المغرب والدول الأعضاء في OHADA. كما جرى إبراز أهمية الإطار القانوني للمنظمة بالنسبة إلى المستثمرين المغاربة النشطين في عدد من الاقتصادات الإفريقية.
وبالتالي، فإن النقاش المنتظر في دكار يلامس مسألة أساسية بالنسبة للمستثمر: كيف يمكن تأمين المعاملة القانونية للعقود والاستثمارات، وتقليص المخاطر، وفهم القواعد التي تحكم النشاط الاقتصادي داخل السوق السنغالية؟
المحتوى المحلي.. من الاستثمار إلى خلق القيمة
المحور الثاني الذي يفرض نفسه بقوة هو المحتوى المحلي، وهو مفهوم يرتبط بمدى استفادة الاقتصاد الوطني من المشاريع والاستثمارات الأجنبية، عبر إشراك الشركات المحلية والعمالة والخبرات الوطنية في مختلف مراحل سلاسل الإنتاج والخدمات.
وتولي السنغال هذا الموضوع أهمية متزايدة، خصوصاً في سياق سياستها الاقتصادية الجديدة، التي تركز على التصنيع والتحول المحلي ورفع القيمة المضافة داخل البلاد. وتضع «رؤية السنغال 2050» ضمن أهدافها بناء اقتصاد منتج وتنافسي، يعتمد على تحويل الموارد محلياً وتطوير سلاسل القيمة.
ويظهر مفهوم المحتوى المحلي أيضاً في سياسات سنغالية سابقة، خصوصاً في قطاعات الطاقة، حيث استُخدم كآلية لرفع القيمة المضافة المحلية، وخلق فرص العمل، وتطوير قدرات الشركات السنغالية، وتشجيع استخدام السلع والخدمات المحلية.
وبالنسبة للشركات المغربية، يكتسي فهم هذه المتطلبات أهمية عملية، خصوصاً بالنسبة إلى المقاولات التي تبحث عن الاستثمار أو إقامة شراكات أو تطوير مشاريع مشتركة داخل السوق السنغالية.
فرصة لتقريب مجتمعي الأعمال
وسيتيح اللقاء المرتقب في دكار للفاعلين الاقتصاديين من البلدين فرصة لمناقشة عدد من الإشكالات العملية التي قد تواجه المستثمرين، بدءاً من البيئة القانونية للأعمال، مروراً بمتطلبات المحتوى المحلي، وصولاً إلى إمكانات بناء شراكات بين الشركات المغربية والسنغالية.
كما ينتظر أن يشكل النقاش مساحة لتبادل التجارب والخبرات، وفتح قنوات مباشرة بين الشركات والهيئات المهنية، بما يساعد على تحديد مشاريع وفرص تعاون جديدة.
وتطرح هذه المقاربة فكرة تتجاوز مجرد زيادة حجم التجارة بين البلدين: بناء علاقات إنتاجية أكثر عمقاً، يمكن أن تدخل فيها الشركات المحلية في التوريد والخدمات والتصنيع والتصدير.
وكان المنتدى الاقتصادي المغربي السنغالي المنعقد في الدار البيضاء في يناير الماضي قد شدد بدوره على أهمية الاستثمارات المتبادلة والتكامل الاقتصادي، فيما تحدث الجانبان عن ضرورة إعطاء دفعة جديدة للعلاقات الاقتصادية الثنائية.
شراكة جنوب-جنوب أمام اختبار التنفيذ
وتندرج هذه التحركات ضمن تصور أوسع للتعاون جنوب-جنوب الذي يركز عليه المغرب في علاقاته مع شركائه الأفارقة، في وقت تحاول فيه السنغال بدورها إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية ضمن «رؤية السنغال 2050».
وتقدم الوثائق الرسمية السنغالية هذا الإطار باعتباره خطة طويلة الأمد للتحول الاقتصادي والاجتماعي، تقوم على تعزيز السيادة الاقتصادية، وتطوير الصناعة، ورفع القدرة التنافسية، وتقوية الاندماج الترابي وسلاسل القيمة.
وبالنسبة للمغرب، فإن توسيع حضوره الاقتصادي في السنغال يمر، عملياً، عبر الاستثمار والتصنيع والخدمات والشراكات مع الفاعلين المحليين، وليس فقط عبر تصدير السلع. وهو ما يجعل النقاش حول المحتوى المحلي والأمن القانوني للأعمال جزءاً من المرحلة الجديدة التي تدخلها العلاقات الاقتصادية بين الرباط ودكار.
من الاتفاقات إلى المشاريع
وتكشف الحركية التي شهدتها العلاقات المغربية السنغالية خلال سنة 2026 عن انتقال النقاش تدريجياً من توقيع الاتفاقات إلى البحث عن آليات تنفيذها على أرض الواقع.
فخلال اللجنة المختلطة الأخيرة، تم توقيع 17 اتفاقاً جديداً في قطاعات متعددة، فيما وفر المنتدى الاقتصادي اللاحق منصة للقطاع الخاص لمناقشة فرص الاستثمار والتعاون.
وفي هذا السياق، يأتي لقاء دكار ليطرح سؤالاً عملياً أكثر: كيف يمكن تحويل التقارب السياسي والمؤسساتي بين البلدين إلى مشاريع إنتاجية تستفيد منها الشركات والمقاولات في المغرب والسنغال؟
ومن المرتقب أن يكون الأمن القانوني للاستثمار، وفهم قواعد OHADA، ومتطلبات المحتوى المحلي، وتكامل سلاسل القيمة، من بين العناصر التي ستحدد قدرة الفاعلين الاقتصاديين على الانتقال إلى مرحلة جديدة من التعاون.
في النهاية، لا يبدو أن النقاش المرتقب في دكار يتعلق فقط بتشخيص واقع العلاقات الاقتصادية المغربية السنغالية، بقدر ما يستهدف البحث عن أدوات عملية لتعميقها، عبر تقريب مجتمع الأعمال من بعضه البعض، وتحسين البيئة القانونية للاستثمار، وتشجيع المشاريع المشتركة التي تخلق قيمة داخل البلدين.
وإذا كان عام 2026 قد شهد دفعة جديدة على مستوى الأطر المؤسساتية والاتفاقات بين الرباط ودكار، فإن الرهان خلال المرحلة المقبلة سيكون على ترجمة هذه الدينامية إلى استثمارات ومشاريع وشراكات إنتاجية قابلة للقياس، بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية التي يعرفها البلدان ومع رهانات الاندماج الاقتصادي الإفريقي.








