يتجه الاقتصاد المغربي نحو تحقيق أحد أفضل معدلات نموه منذ سنوات، مع توقعات رسمية بأن يصل معدل النمو إلى نحو 5 بالمائة خلال سنة 2026، مقارنة بمعدل قارب 4.7 بالمائة في السنة الماضية. هذا التحسن يأتي بعد سنوات صعبة عرف خلالها المغرب موجة جفاف امتدت لقرابة سبع سنوات، أثّرت بشكل مباشر على القطاع الفلاحي الذي يبقى عنصراً حاسماً في الدورة الاقتصادية الوطنية.

الفلاحة تقود الانتعاش

بحسب معطيات رسمية صادرة عن جهات التخطيط الاقتصادي، فإن القطاع الفلاحي هو المحرك الأساسي لهذا التسارع، إذ يُتوقع أن ترتفع القيمة المضافة للفلاحة بأكثر من 10 بالمائة هذه السنة، مقارنة بنسبة لم تتجاوز 4.5 بالمائة في السنة السابقة. ويعود هذا التحسن أساساً إلى عودة التساقطات المطرية بشكل منتظم منذ نهاية السنة الماضية، ما انعكس إيجاباً على إنتاج الحبوب وباقي المزروعات.

في المقابل، تشير التوقعات إلى أن الأنشطة غير الفلاحية ستحافظ هي الأخرى على وتيرة نمو معتبرة تناهز 4.3 بالمائة، مدعومة بدينامية القطاع الصناعي، واستمرار الأداء الجيد لقطاع البناء والأشغال العمومية، إضافة إلى قوة أنشطة الخدمات، وهي عناصر تستفيد بشكل غير مباشر من الأوراش الكبرى المرتبطة بالتحضيرات لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2030.

تراجع التضخم يريح جيوب المغاربة

من الجوانب اللافتة في هذه التوقعات، الانخفاض المرتقب لمعدل التضخم إلى ما دون 1.5 بالمائة خلال هذه السنة، مقارنة بمستويات أعلى في السنة الماضية. هذا التراجع في وتيرة ارتفاع الأسعار من شأنه أن يخفف الضغط على القدرة الشرائية للأسر المغربية، التي عانت خلال السنوات الأخيرة من غلاء ملموس في المواد الأساسية.

وحسب محللين اقتصاديين، فإن استقرار المستوى العام للأسعار، مقروناً بتحسن الدخل الفلاحي، سيدعم استهلاك الأسر الذي يُنتظر أن يرتفع بأزيد من 3.5 بالمائة هذه السنة، ما يجعله أحد أهم مساهمين في النمو الاقتصادي الإجمالي.

تحديات لا تزال قائمة

رغم هذه المؤشرات الإيجابية، يحذّر عدد من الخبراء من أن الاقتصاد الوطني ما زال يواجه تحديات هيكلية تستدعي المتابعة الدقيقة. من أبرز هذه التحديات استمرار العجز التجاري عند مستويات مرتفعة، نتيجة اعتماد المغرب الكبير على الاستيراد في عدد من المواد الأساسية والطاقية، في مقابل صادرات لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب لتحقيق توازن أفضل في الميزان التجاري.

كما تبقى ضرورة تعزيز جاذبية المغرب للاستثمارات الأجنبية المباشرة أولوية قصوى، خصوصاً في ظل التنافس الإقليمي المتزايد على استقطاب رؤوس الأموال. وفي هذا الصدد، راهنت السلطات المغربية على “ميثاق الاستثمار” كأداة لتحفيز القطاع الخاص وتبسيط المساطر الإدارية، مع تطلعات لمضاعفة حجم الاستثمارات الخارجية في السنوات المقبلة.

أفق أربع سنوات من النمو المتصاعد

وفق التقديرات الرسمية، فإن المغرب مقبل على مرحلة متواصلة من تسارع النمو الاقتصادي قد تمتد لأربع سنوات متتالية، ما يعكس ثقة نسبية في قدرة الاقتصاد الوطني على تجاوز آثار سنوات الجفاف المتعاقبة، والانتقال إلى دورة نمو أكثر استقراراً، خصوصاً مع اقتراب موعد استضافة المملكة لأحداث رياضية كبرى ستستقطب استثمارات ضخمة في البنية التحتية والخدمات.

يبقى السؤال الأساسي الذي يطرحه اقتصاديون هو مدى قدرة هذا النمو على الانعكاس فعلياً على سوق الشغل وتحسين مستوى معيشة المواطنين، خصوصاً في ظل استمرار معدلات بطالة مرتفعة نسبياً في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.

شارك المقال:
الاطّلاع على التعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *