حقق المغرب خلال السنوات الأخيرة قفزة كبيرة في تعميم التغطية الصحية، إذ بلغ عدد المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض أكثر من 32 مليون شخص، أي ما يقارب 90 بالمائة من سكان المملكة، مقارنة بنسبة لم تتجاوز 42 بالمائة قبل انطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية. غير أن تقارير حديثة تكشف عن وجود فجوة حقيقية بين نسبة التسجيل المرتفعة وبين الولوج الفعلي للخدمات الصحية على أرض الواقع.
ورش ملكي لتعميم الحماية الاجتماعية
يندرج هذا التقدم في إطار الورش الكبير لتعميم الحماية الاجتماعية الذي أطلقته المملكة، والذي يقوم على أربع ركائز أساسية: تعميم التأمين الصحي الإجباري، تعميم التعويضات العائلية لفائدة الأطفال في سن التمدرس، توسيع الانخراط في أنظمة التقاعد، وتعميم التعويض عن فقدان الشغل. ويهدف هذا المشروع الشامل إلى تقليص الفقر ومحاربة مختلف أشكال الهشاشة الاجتماعية، ودعم القدرة الشرائية للأسر المغربية.
من الناحية العملية، يرتكز نظام التأمين الصحي الإجباري على ثلاث ركائز: نظام خاص بأجراء القطاع الخاص، وآخر خاص بموظفي القطاع العام، وثالث موجّه للفئات الفقيرة والهشة عبر ما يُعرف بـ”أمو تضامن”، الذي يشمل وحده أكثر من 11 مليون مستفيد من الفئات المعوزة.
فجوة بين التسجيل والاستفادة الفعلية
رغم هذه الأرقام المشجعة على مستوى التغطية النظرية، تكشف دراسات حديثة عن استمرار عجز بنيوي في الموارد البشرية الطبية، حيث لا تتجاوز كثافة الأطباء 8 لكل 10 آلاف مواطن، وهي نسبة أقل بكثير من المعدل العالمي الموصى به. هذا العجز ينعكس بشكل خاص على العالم القروي، حيث يضطر أكثر من نصف الساكنة إلى قطع مسافة تفوق 5 كيلومترات للوصول إلى أقرب مركز صحي.
كما تشير المعطيات إلى أن نفقات الأسر المباشرة على الصحة لا تزال تمثل نحو نصف إجمالي الإنفاق الصحي، وهو رقم يُثقل كاهل المواطنين حتى المؤمَّنين منهم، ويتناقض مع الفلسفة الأساسية للحماية الاجتماعية التي تهدف إلى تقليص العبء المالي المباشر على الأسر عند المرض.
كيف يعمل نظام التعويض الطبي؟
يستفيد المؤمَّنون من نظام تعويض يعتمد على تعريفة وطنية مرجعية، حيث يُغطي التأمين نسبة من هذه التعريفة المرجعية وليس بالضرورة كامل المبلغ الفعلي المدفوع عند الطبيب، خصوصاً في القطاع الخاص. هذا الفارق بين التعريفة المرجعية والأسعار الفعلية المطبقة ميدانياً يُعد أحد أبرز نقاط الجدل حول فعالية النظام، إذ يجد كثير من المؤمَّنين أنفسهم مضطرين لتحمل جزء معتبر من المصاريف من جيوبهم الخاصة.
نحو رقمنة أوسع للخدمات الصحية
في خطوة تهم تبسيط ولوج المواطنين للخدمات، تتجه السلطات المغربية نحو رقمنة متزايدة لمسار التأمين الصحي، بما في ذلك التخلي التدريجي عن “ورقة العلاج” التقليدية لفائدة أنظمة إلكترونية موحدة بين مختلف الصناديق، وهو ما من شأنه تسهيل عمليات التعويض وتقليص آجالها.
تحديات المرحلة المقبلة
يجمع خبراء السياسات الاجتماعية على أن التحدي الأكبر أمام المغرب لم يعد يتمثل في توسيع دائرة التغطية النظرية، التي باتت شبه شاملة، بل في ضمان جودة الخدمة الصحية الفعلية وتقريبها من المواطنين، خصوصاً في المناطق النائية، إلى جانب تعزيز الموارد البشرية الطبية وتحسين توزيعها الجغرافي العادل بين مختلف جهات المملكة.








