يعيش قطاع التجارة التقليدية بالمغرب، وتحديداً “الحوانيت” الصغيرة المنتشرة في الأحياء السكنية، تحولات عميقة نتيجة التوسع المتسارع لسلاسل المتاجر الكبرى وأسواق التوزيع الحديثة، ما يثير مخاوف حقيقية لدى الفاعلين في هذا القطاع التقليدي من احتمال إفلاس آلاف البقالين الصغار خلال السنوات المقبلة.

قطاع تقليدي عريق يواجه منافسة غير متكافئة

يشكل “الحانوت” منذ عقود عنصراً أساسياً في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للأحياء المغربية، ليس فقط كنقطة بيع للمواد الغذائية والاستهلاكية اليومية، بل أيضاً كفضاء اجتماعي يعرف فيه صاحب المحل زبناءه بالاسم، ويمنح أحياناً تسهيلات في الأداء (“الكريدي”) لا تقدمها المتاجر الكبرى الحديثة.

غير أن هذا النموذج التقليدي يجد نفسه اليوم أمام منافسة غير متكافئة مع سلاسل التوزيع الكبرى، التي تستفيد من قدرات شرائية ضخمة تمكّنها من الحصول على أسعار جملة أقل بكثير، وبالتالي عرض منتجات بأسعار تنافسية يصعب على البقال الصغير مجاراتها، إضافة إلى قدرة هذه السلاسل على الاستثمار في التسويق والعروض الترويجية المستمرة.

توسع متسارع للمتاجر الحديثة في الأحياء الشعبية

من اللافت في السنوات الأخيرة أن التوسع لم يعد مقتصراً على المراكز التجارية الكبرى في المدن، بل بدأ يطال حتى الأحياء الشعبية والمناطق التي كانت تقليدياً حكراً على “الحانوت”، عبر صيغ متاجر القرب (Proximité) التي تتبناها كبرى سلاسل التوزيع، والتي تحاكي حجم المحل التقليدي لكنها تستفيد من نفس القوة الشرائية والتنظيمية للسلسلة الكبرى.

هذا التوسع يضع البقالين الصغار أمام معادلة صعبة: إما محاولة التكيف عبر تحسين الخدمة وتنويع العرض، أو مواجهة تراجع تدريجي في رقم المعاملات قد يفضي في النهاية إلى إغلاق المحل بشكل نهائي.

أصوات قلقة من داخل القطاع

يعبّر عدد من أصحاب الحوانيت الصغيرة عن قلقهم المتزايد من هذا الوضع، مشيرين إلى أن هامش الربح في تجارتهم أصبح ضئيلاً جداً في ظل ارتفاع تكاليف الكراء والأعباء الاجتماعية من جهة، وتراجع عدد الزبائن المعتادين الذين تحولوا نحو المتاجر الكبرى بحثاً عن أسعار أقل من جهة أخرى. ويرى هؤلاء أن استمرار هذا الاتجاه دون تدخل قد يؤدي إلى اختفاء تدريجي لنموذج تجاري كان تاريخياً جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية للمغاربة.

دعوات لتدابير حماية القطاع التقليدي

في ظل هذا الوضع، تتعالى أصوات مهنية تطالب بتدابير عمومية لحماية التجارة التقليدية من الاندثار، من قبيل تسهيل ولوج البقالين الصغار للتمويل والتكوين في مجالات التدبير التجاري الحديث، أو وضع أطر تنظيمية تحد من التوسع العشوائي للمتاجر الكبرى في محيط مباشر من الأحياء السكنية الكثيفة بالحوانيت التقليدية.

كما يقترح بعض المهنيين حلولاً بديلة، مثل التجمع في تعاونيات للشراء الجماعي تمكّن البقالين الصغار من الحصول على أسعار جملة أقرب لتلك التي تحصل عليها السلاسل الكبرى، أو الاستثمار في خدمات إضافية لا توفرها المتاجر الكبرى، مثل التوصيل المنزلي السريع أو تسهيلات الأداء المرنة التي لا تزال تشكل ميزة تنافسية حقيقية لـ”الحانوت” التقليدي.

يبقى مستقبل هذا القطاع رهيناً بمدى قدرة الفاعلين فيه على التكيف مع التحولات المتسارعة في عادات الاستهلاك لدى المغاربة، وبمدى استجابة السياسات العمومية لمطالب حماية نموذج تجاري يحمل بعداً اجتماعياً يتجاوز الجانب الاقتصادي البحت.

شارك المقال:
الاطّلاع على التعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *