بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، بحصوله على 97 مقعداً من أصل 395، برز اسم فاطمة الزهراء المنصوري ضمن الأسماء المتداولة في النقاش المتعلق برئاسة الحكومة المقبلة. غير أن هذا النقاش لا يعني وجود قرار رسمي بشأن اسم رئيس الحكومة، إذ ينص الدستور على أن تعيين رئيس الحكومة يدخل ضمن الاختصاص الملكي، من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب وعلى أساس نتائجها.

والمنصوري ليست وافدة جديدة على المشهد السياسي. فمن المحاماة إلى تدبير مدينة مراكش، ثم مجلس النواب والحكومة، وصولاً إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، راكمت خلال أكثر من عقد ونصف مساراً سياسياً ومؤسساتياً متنوعاً.

وفي أعقاب تصدر حزبها الانتخابات، قالت المنصوري خلال ندوة صحافية في 24 شتنبر إن قرار تعيين رئيس الحكومة يعود إلى الملك، مضيفة بشأن إمكانية تكليفها بالمهمة: «إذا اختارني صاحب الجلالة وطلب مني نتحمل المسؤولية، سيكون لي شرف كبير».

بهذا التصريح، وضعت المنصوري نفسها داخل النقاش من دون تقديم ترشح رسمي أو اعتبار المهمة محسومة، لتتحول سيرتها السياسية إلى محور اهتمام متزايد بعد النتيجة التي حققها حزبها.

البداية من مراكش ودراسة القانون

ولدت فاطمة الزهراء المنصوري سنة 1976 بمدينة مراكش، وتلقت تكويناً قانونياً بدأ بجامعة محمد الخامس، حيث حصلت على الإجازة في القانون الخاص، قبل أن تتابع دراستها العليا في فرنسا والولايات المتحدة.

وحصلت، وفق سيرتها المنشورة لدى مصادر مغربية، على دبلوم الدراسات المعمقة في قانون الأعمال من جامعة مونبلييه الفرنسية، كما حصلت على تكوين في قانون الأعمال الأنجلوساكسوني من جامعة نيويورك في الولايات المتحدة.

بعد ذلك، بدأت مسارها المهني في المحاماة بهيئة المحامين بمراكش، واشتغلت في مجالات مرتبطة بالقانون المدني والتجاري. كما ارتبط اسمها في بداية مسارها بالعمل الجمعوي، من خلال أنشطة ذات صلة بالقانون والحفاظ على التراث.

وكان هذا التكوين القانوني والمهني أحد الأطر التي رافقت انتقالها لاحقاً إلى العمل السياسي، في وقت كانت فيه الساحة السياسية المغربية تعرف ولادة حزب الأصالة والمعاصرة.

2009.. أول امرأة على رأس جماعة مراكش

دخلت المنصوري الحياة السياسية مع تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008، قبل أن تحقق حضوراً انتخابياً بعد عام واحد فقط.

ففي سنة 2009 انتُخبت عمدة لمدينة مراكش، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة المجلس الجماعي للمدينة. واستمرت ولايتها الأولى إلى سنة 2015، قبل أن تعود إلى رئاسة جماعة مراكش بعد انتخابات 2021.

وكان توليها عمودية مراكش محطة مبكرة في مسارها، إذ انتقلت من ممارسة مهنة المحاماة إلى إدارة واحدة من أكبر المدن المغربية وأكثرها حضوراً على المستوى السياحي والاقتصادي.

وعادت المنصوري إلى رئاسة مجلس جماعة مراكش بعد انتخابات 2021، بالتزامن مع انتقالها إلى الحكومة، لتجمع بين مسؤولية تدبير المدينة والمسؤولية الحكومية.

من المجلس الجماعي إلى البرلمان

لم يتوقف مسار المنصوري عند العمل المحلي. فقد انتُخبت عضواً في مجلس النواب ابتداء من سنة 2011، واستمرت في الحضور البرلماني لعدة ولايات قبل انتقالها إلى العمل الحكومي سنة 2021. وتشير معطيات سيرتها المنشورة إلى انتخابها برلمانياً في 2011 و2016 و2021.

وقد منحها العمل البرلماني تجربة إضافية في المؤسسات الوطنية، قبل أن تنتقل في أكتوبر 2021 إلى السلطة التنفيذية.

2021.. دخول الحكومة

في 7 أكتوبر 2021، عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة ضمن حكومة عزيز أخنوش. وجاء تعيينها خلفاً لنزهة بوشارب على رأس القطاع.

ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسمها بملفات التعمير والسكن وإعداد التراب الوطني وسياسة المدينة، وهي مجالات ترتبط بشكل مباشر بالتوسع الحضري، والسكن، والتخطيط المجالي، وتدبير التحولات التي تعرفها المدن والمجالات الترابية.

ولا تزال المنصوري تشغل هذا المنصب في الحكومة الحالية، بحسب البوابة الرسمية للمملكة.

2024.. قيادة “البام” بصيغة جماعية

في فبراير 2024، انتقلت المنصوري إلى مستوى آخر داخل حزب الأصالة والمعاصرة، عندما انتُخبت، إلى جانب محمد المهدي بنسعيد وصلاح الدين أبو الغالي، ضمن القيادة الجماعية للأمانة العامة للحزب.

وتم اختيارها لاحقاً منسقة وطنية للقيادة الجماعية للأمانة العامة أمام المؤسسات الرسمية، وهي الصفة التي استمرت في استخدامها في بيانات الحزب ومداخلاته السياسية.

وهذه النقطة مهمة، لأن وصف المنصوري في بعض التغطيات بأنها «الأمينة العامة» للحزب لا يعكس بدقة الصيغة التنظيمية المعتمدة منذ المؤتمر الوطني الخامس؛ فالقيادة تمارس بشكل جماعي، وهي تشغل مهمة المنسقة الوطنية لهذه القيادة أمام المؤسسات الرسمية.

ماذا قالت عن رئاسة الحكومة؟

قبل انتخابات شتنبر، كانت المنصوري نفسها تؤكد أن الحديث عن التحالفات ورئاسة الحكومة يجب أن ينتظر نتائج صناديق الاقتراع.

وفي لقاء خلال بداية شتنبر، شددت على أن نتائج الانتخابات هي التي ستحدد موازين المرحلة المقبلة، وأن تعيين رئيس الحكومة يبقى اختصاصاً دستورياً للملك.

وبعد إعلان تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للنتائج المؤقتة، عادت المسألة إلى الواجهة بشكل أكثر مباشرة. وحين سُئلت عن إمكانية تكليفها برئاسة الحكومة، لم تقدم نفسها باعتبارها مرشحة رسمية، وإنما أكدت احترامها للاختصاص الملكي، وأضافت أنها ستعتبر التكليف «شرفاً كبيراً» إذا وقع الاختيار عليها.

وهنا يبرز الفرق بين كون اسمها متداولاً في النقاش السياسي وبين وجود قرار رسمي بشأن تعيينها، وهو قرار لم يكن قد صدر حتى تاريخ إعداد هذه المادة.

«لست امرأة من فولاذ ولا من حديد»

على امتداد مسارها السياسي، ارتبط اسم المنصوري أحياناً بوصف «المرأة الحديدية»، لكنها لا تتبنى هذا الوصف لنفسها.

وفي حديث إعلامي نقلته BBC عربي، ردت على هذه الصورة بالقول: «أنا لست امرأة من فولاذ ولا من حديد… أنا مناضلة حرة».

وتقدم المنصوري نفسها، في خطاباتها وتصريحاتها، باعتبارها سياسية راكمت تجربتها من خلال العمل الحزبي والتدبير المحلي والمؤسسات المنتخبة والعمل الحكومي، أكثر من اعتمادها على الصورة الشخصية أو الشعارات.

وفي تصريحات سابقة، أكدت أن حزب الأصالة والمعاصرة يتوفر على «رؤية وكفاءات جاهزة لتحمل المسؤولية»، وهو خطاب عاد إلى الواجهة بعد تصدر الحزب انتخابات 2026.

ماذا يقول الدستور عن رئاسة الحكومة؟

ينص الفصل 47 من دستور المملكة المغربية على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. كما ينص الفصل نفسه على تعيين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.

وبناء على النتائج المؤقتة المعلنة بعد انتخابات 23 شتنبر، فإن حزب الأصالة والمعاصرة هو الحزب الذي تصدر النتائج بحصوله على 97 مقعداً، وهو ما جعل النقاش حول الشخصية التي قد يقع عليها الاختيار داخل الحزب المتصدر يأخذ مساحة واسعة في المشهد السياسي والإعلامي.

لكن تصدر الحزب لا يعني، بحد ذاته، إعلان اسم رئيس الحكومة؛ فالدستور يربط التعيين بالملك، كما أن الشخصية التي ستتولى المهمة لا يشترط أن تكون بالضرورة الأمين العام أو المنسق الحزبي، وإنما يكون الاختيار من الحزب المتصدر وعلى أساس نتائج الانتخابات.

هل يمكن أن تصبح أول رئيسة حكومة في المغرب؟

في حال وقع الاختيار على فاطمة الزهراء المنصوري لتشكيل الحكومة المقبلة، فستكون أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب.

كما ستكون ثاني امرأة تتولى رئاسة الحكومة في دولة عربية بعد نجلاء بودن في تونس، التي كلفها الرئيس قيس سعيّد بتشكيل الحكومة سنة 2021، وكانت أول امرأة تصل إلى هذا المنصب في دولة عربية.

غير أن هذا السيناريو يظل، وفق المعطيات المتاحة، احتمالاً سياسياً وليس نتيجة معلنة. فالمؤكد حالياً هو تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات، وظهور اسم المنصوري في النقاش حول رئاسة الحكومة، وتصريحها شخصياً بأنها ستعتبر التكليف شرفاً إذا وقع اختيار الملك عليها.

مسار طويل قبل محطة جديدة

قصة فاطمة الزهراء المنصوري السياسية بدأت من مراكش، حيث درست القانون ومارست المحاماة، ثم انتقلت إلى العمل السياسي والحزبي، وبعدها إلى رئاسة جماعة المدينة، فالبرلمان، ثم الحكومة، قبل أن تصبح منسقة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة.

واليوم، وبعد تصدر حزبها الانتخابات التشريعية، انتقلت المنصوري إلى مركز جديد من الاهتمام السياسي، ليس بسبب منصب جديد تولته، وإنما بسبب النقاش الدائر حول الشخصية التي يمكن أن تتولى رئاسة الحكومة المقبلة.

وفي انتظار القرار الدستوري، تبقى السيرة السياسية للمنصوري وحدها كافية لفهم سبب تحول اسمها إلى أحد أبرز محاور النقاش الذي أعقب انتخابات 2026: محامية، عمدة لمراكش، برلمانية، وزيرة، ومنسقة للقيادة الجماعية لحزب تصدر الانتخابات.

شارك المقال:
الاطّلاع على التعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *