شكّلت حركة “جيل زد 212” (Genz212) واحدة من أبرز الظواهر الاجتماعية التي عرفها المغرب مؤخراً، بوصفها حراكاً احتجاجياً شبابياً انطلق عبر منصة “ديسكورد” الرقمية، ونجح في تعبئة شباب من مختلف المدن والقرى المغربية حول مطالب اجتماعية محددة، بعيداً عن الأطر السياسية والنقابية التقليدية.

كيف بدأت الحركة؟

انطلقت شرارة الحراك يوم 27 سبتمبر 2025، عبر دعوات لمظاهرات في عدة مدن، امتدت بشكل يومي لعشرة أيام قبل أن تُستأنف لاحقاً. وجاء هذا التحرك على خلفية احتقان اجتماعي تراكم لسنوات، ارتبط بغلاء الأسعار وتدهور خدمات التعليم والصحة، وارتفاع نسبة البطالة في صفوف الشباب، إلى جانب قضايا مرتبطة بالحكامة والشفافية. واللافت أن الحركة انطلقت أساساً من مناطق قروية بعيدة عن المراكز الحضرية الكبرى، قبل أن تتوسع لتشمل مختلف جهات المملكة.

جيل يرفض الانتماء السياسي التقليدي

من أبرز خصائص هذا الحراك أنه قاده شباب مستقلون رفضوا أي انتماء سياسي أو نقابي رسمي، معتمدين بشكل أساسي على تطبيق “ديسكورد” كأداة تقنية لتنظيم أنفسهم وتنسيق أنشطتهم بشكل لامركزي، بعيداً عن الهياكل القيادية التقليدية التي تميز الحركات الاحتجاجية الكلاسيكية. هذا النمط التنظيمي يعكس تحولاً جيلياً في كيفية تعبير الشباب عن مطالبهم، مستلهماً في جزء منه من موجة احتجاجات مماثلة قادها جيل Z في عدة دول حول العالم خلال النصف الثاني من سنة 2025.

شعارات تعكس أولويات اجتماعية واضحة

ميّزت هذا الحراك شعارات واضحة عبّرت عن جوهر المطالب، من أبرزها المطالبة بإعطاء الأولوية لقطاعي الصحة والتعليم، في انتقاد مباشر لحجم الإنفاق على البنية التحتية الرياضية استعداداً لاستضافة المغرب لأحداث كروية كبرى، مقارنة بما اعتبره المحتجون تأخراً في تطوير الخدمات الاجتماعية الأساسية.

استجابة رسمية وحوار متدرج

في مقابل هذا الحراك، تفاعلت السلطات المغربية عبر مسارين متوازيين: التأكيد على خيار الحوار مع قادة الحركة من جهة، وتدخل الأجهزة الأمنية لحماية النظام العام من جهة أخرى. كما التزمت الأغلبية الحكومية بتفعيل توجيهات ملكية تتعلق بتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2026، وترجم ذلك عملياً في رفع ميزانية قطاعي الصحة والتعليم إلى مستويات قياسية ضمن هذا القانون.

تحديات وانتقادات رافقت الحراك

لم يخلُ هذا الحراك من توترات، حيث وثّقت جمعيات حقوقية محلية توقيف أعداد كبيرة من المشاركين في مختلف المدن المغربية، إلى جانب تسجيل حالات وفاة وإصابات في سياق بعض المواجهات، ما دفع منظمات دولية للتعبير عن قلقها والدعوة لفتح تحقيقات مستقلة حول هذه الأحداث. في المقابل، أعلنت الحركة نفسها في مراحل لاحقة تعليق بعض وقفاتها بعد خطابات رسمية ونقاشات مع ممثليها، مع التأكيد على استمرار مطالبها الأساسية.

رمزية جيلية تتجاوز اللحظة الظرفية

يرى باحثون مهتمون بالحركات الاجتماعية أن حراك “جيل زد 212” يحمل دلالة تتجاوز اللحظة الاحتجاجية الظرفية، إذ يعكس بروز فاعل اجتماعي جديد كان يوصف تقليدياً بالعزوف عن الشأن العام، واعتماده أدوات رقمية جديدة للتعبئة والتنظيم. ويبقى السؤال المطروح بحدة هو مدى قدرة هذا الجيل على تحويل زخمه الاحتجاجي إلى تأثير مستدام على السياسات العمومية، بعيداً عن كونه مجرد حراك عابر مرتبط بلحظة احتقان معينة.

جيل Zسلايدرمميز
شارك المقال:
الاطّلاع على التعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *