يواجه صناع المحتوى على إنستغرام أسلوباً متزايداً من الابتزاز الإلكتروني، يعتمد على استغلال نظام الإبلاغ عن انتهاكات حقوق النشر لإزالة المنشورات أو تعطيل الحسابات، قبل مطالبة أصحابها بدفع أموال مقابل سحب الشكايات.
وتبدأ العملية عندما يتقدم شخص ببلاغ يدعي فيه أن منشوراً أو صورة أو مقطع فيديو ينتهك حقوقه الفكرية. وبعد اتخاذ المنصة إجراء بحق المحتوى، يتواصل المبلغ مع صاحب الحساب ويعرض عليه سحب الشكوى مقابل مبلغ مالي، مستفيداً من الضغط الذي يسببه توقف الحساب أو فقدان الوصول إلى الجمهور.
وبالنسبة إلى صانع المحتوى الذي يعتمد على إنستغرام للحصول على عائدات الإعلانات أو إبرام الشراكات التجارية أو بيع المنتجات والخدمات، فإن تعليق الحساب ولو لبضعة أيام قد يعني خسائر مالية كبيرة.
ويضع هذا النوع من الاحتيال الضحية أمام خيار صعب، فإما انتظار مراجعة الاعتراض عبر القنوات الرسمية، وهي عملية يقول بعض المتضررين إنها قد تستغرق وقتاً، أو دفع المال للمحتال مقابل محاولة استعادة الحساب بسرعة.
كيف تبدأ عملية الابتزاز؟
يعتمد المحتالون على آلية مشروعة أساساً، صممت لحماية الفنانين والمصورين والكتاب والموسيقيين وغيرهم من سرقة أعمالهم ونشرها من دون إذن.
وتتيح إنستغرام لصاحب الحق، أو من يمثله، تقديم بلاغ عندما يعتقد أن مستخدماً آخر نشر عملاً محمياً دون موافقته. وقد يؤدي قبول البلاغ إلى حذف المنشور، أو توجيه مخالفة إلى الحساب، أو فرض قيود إضافية عليه.
لكن المحتال يقدم بلاغاً كاذباً أو مضللاً، ثم ينتظر اتخاذ إجراء بحق الحساب المستهدف. وبعد ذلك، يتواصل مع الضحية عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل الخاصة، وقد يطلب نقل المحادثة إلى تطبيق خارجي مثل تيليغرام.
وهناك يعرض المحتال سحب البلاغ مقابل تحويل مالي، غالباً بواسطة عملة مشفرة أو وسيلة يصعب التراجع عن العملية من خلالها.
وقد يهدد الشخص بإرسال بلاغات إضافية إذا رفض صاحب الحساب الدفع، مستغلاً احتمال أن يؤدي تكرار مخالفات حقوق النشر إلى حذف منشورات أخرى أو تعليق الحساب أو تعطيل قدرته على تحقيق الدخل.
لماذا يستهدف المحتالون صناع المحتوى؟
لا يختار المحتالون ضحاياهم بصورة عشوائية دائماً، إذ تمثل الحسابات الكبيرة أو النشطة أهدافاً أكثر جاذبية بسبب قيمتها التجارية.
وقد يقضي صانع المحتوى سنوات في بناء جمهوره وتطوير أسلوبه والحصول على ثقة العلامات التجارية، قبل أن يصبح الحساب مصدر دخله الأساسي أو واجهته المهنية الوحيدة.
وبمجرد توقف الحساب، قد تتعطل الحملات الإعلانية، وتتأخر المنشورات المدفوعة، وتنخفض المبيعات، ويتراجع وصول المحتوى إلى الجمهور.
ويعرف المحتال أن صاحب الحساب يخشى خسارة سنوات من العمل، لذلك يطلب مبلغاً يبدو محدوداً مقارنة بالخسائر المحتملة. وقد يقتنع الضحية بأن دفع 50 أو 100 دولار أقل ضرراً من انتظار المراجعة لعدة أيام أو أسابيع.
لكن دفع المال لا يضمن انتهاء المشكلة، فقد يحتفظ المحتال ببيانات الحساب المستهدف وطريقة التواصل معه، ثم يعيد تقديم شكايات جديدة للحصول على مبالغ إضافية.
كما يمكن أن يؤدي الدفع إلى تشجيع شبكات أخرى على استهداف الحساب نفسه، خصوصاً إذا انتشرت معلومات تفيد بأن صاحبه يستجيب لطلبات الفدية.
حساب يتابعه 1.5 مليون شخص يقع في الفخ
من أبرز الحالات التي كشف عنها التحقيق حساب “Lost in Time History”، المتخصص في نشر الصور التاريخية ويتابعه أكثر من 1.5 مليون مستخدم على إنستغرام.
وقال صاحب الحساب، المعروف باسم أولي، إنه تلقى عشرات البلاغات التي وصفها بالكاذبة خلال سنة 2026، رغم تأكيده أن منشوراته تعتمد على صور من الملكية العامة أو مواد حصل على إذن باستخدامها.
وفي بعض الحالات، استهدفت عدة شكايات منشورات مختلفة في الوقت نفسه، قبل أن يتواصل أصحاب البلاغات معه ويطلبوا الانتقال إلى تيليغرام للتفاوض بشأن سحبها.
وبعد تعليق حسابه مؤقتاً، دفع أولي 50 دولاراً بعملة مشفرة لأحد المحتالين، معتقداً أن ذلك سيكون أسرع من انتظار معالجة الاعتراض عبر القنوات الرسمية.
وبرر قراره بأن توقف الحساب في تجارب سابقة تسبب له في خسارة آلاف الدولارات من الدخل. غير أن الدفع لم ينه المشكلة، إذ تعرض الحساب لبلاغات أخرى بعد وقت قصير.
وتوضح هذه الواقعة سبب تحذير الجهات الأمنية وخبراء الحماية الرقمية من دفع الفدية، لأن المحتال لا يقدم أي ضمان بعدم العودة، كما أن الاستجابة المالية قد تجعل الضحية هدفاً دائماً.
واطلع معدو التحقيق أيضاً على رسائل تضمنت مطالب مالية مختلفة، وصلت في إحدى الحالات إلى 900 دولار مقابل سحب بلاغ واحد يتعلق بحقوق النشر.
الحساب قد يتوقف رغم بقاء كلمة المرور
يختلف هذا الأسلوب عن عمليات سرقة الحسابات التقليدية، إذ لا يحتاج المحتال بالضرورة إلى معرفة كلمة المرور أو اختراق البريد الإلكتروني.
وقد يظل صاحب الحساب قادراً على تسجيل الدخول، لكنه يجد أن منشوراته حُذفت أو أن حسابه تعرض لقيود أو فقد ميزة تحقيق الدخل.
وهذا يعني أن تفعيل المصادقة الثنائية واختيار كلمة مرور قوية، رغم أهميتهما، لا يكفيان وحدهما للحماية من بلاغات حقوق النشر الكاذبة.
فالاستهداف يحدث عن طريق استغلال نظام الشكايات نفسه، وليس عبر الدخول غير المشروع إلى الحساب. ولذلك يحتاج صانع المحتوى إلى حماية ملكيته الفكرية وتوثيق مصدر مواده، إلى جانب تأمين بيانات تسجيل الدخول.
القضاء الهندي ينظر في القضية
لم تعد هذه الوقائع مجرد شكايات فردية على منصات التواصل، إذ وصلت المسألة إلى المحكمة العليا في دلهي بالهند.
وتقدمت دعاوى وعرائض تتهم جهات مجهولة باستغلال آليات حقوق النشر في إنستغرام لتعليق حسابات صناع المحتوى، ثم مطالبتهم بدفع أموال مقابل التراجع عن الشكايات.
وتطالب إحدى العرائض بإجراء مراجعة بشرية حقيقية للبلاغات بدلاً من الاعتماد المفرط على الأنظمة الآلية، إلى جانب التحقيق في شبكات الابتزاز المتهمة بتنظيم هذه العمليات.
كما ظهرت مزاعم بشأن التلاعب بمنشورات قديمة على فيسبوك، من خلال تعديل محتواها وإضافة فيديو حديث إليها مع بقاء التاريخ القديم ظاهراً، بما يوحي بأن المحتال نشر المادة قبل صاحبها الحقيقي.
ويُزعم أن هذه الطريقة تُستخدم لإنشاء دليل زائف على ملكية المحتوى، ثم إرسال بلاغ ضد الناشر الأصلي واتهامه بالسرقة.
ولم تُحسم جميع هذه الادعاءات قضائياً حتى الآن، لكنها تكشف مقدار التعقيد الذي يواجه المنصات عند محاولة تحديد صاحب المحتوى الأصلي اعتماداً على التاريخ الظاهر أو الأنظمة الآلية وحدها.
رد ميتا على شكايات صناع المحتوى
قالت شركة ميتا، المالكة لإنستغرام، إن أنظمتها مصممة لحماية المستخدمين من إساءة استعمال آليات حقوق النشر.
وأضافت الشركة أنها راجعت بعض الحسابات المتضررة، وأعادت المحتوى الذي اتضح أنه استُهدف بصورة غير سليمة، كما أضافت إجراءات حماية لهذه الحسابات لمنع محاولات مماثلة.
لكن الشركة لم تكشف عن حل شامل يطبق تلقائياً على جميع صناع المحتوى، ولم توضح بالتفصيل كيف ستتعرف أنظمتها على البلاغات الاحتيالية قبل حذف المحتوى أو فرض القيود.
وتكمن صعوبة المشكلة في ضرورة حماية أصحاب الحقوق الحقيقيين من السرقة، مع منع استخدام نظام الحماية نفسه في إسكات أصحاب المحتوى الأصلي أو ابتزازهم.
فإذا أصبحت إجراءات تقديم الشكوى معقدة جداً، قد يعجز المصورون والفنانون وأصحاب الأعمال الصغيرة عن حماية إنتاجهم. أما إذا كانت العملية سهلة ولا تتضمن تحققاً كافياً، فقد يستغلها المحتالون لإيذاء الحسابات المشروعة.
ماذا تفعل إذا تلقيت بلاغاً مشبوهاً؟
ينبغي عدم تجاهل إشعار حقوق النشر، حتى إذا كان صاحب الحساب متأكداً من ملكيته للمحتوى. ويجب أولاً التحقق من أن الإشعار ظهر داخل تطبيق إنستغرام أو وصل من عنوان رسمي تابع للمنصة.
ينبغي تجنب الضغط على الروابط الموجودة في رسائل مجهولة تدعي أن الحساب سيُغلق خلال ساعات، فقد تكون محاولة تصيد تهدف إلى سرقة كلمة المرور.
بعد التأكد من وجود البلاغ فعلاً، يجب الاحتفاظ بنسخة من الإشعار وتسجيل اسم المبلغ وعنوان بريده والمحتوى المستهدف وتاريخ الشكوى.
ومن المهم أيضاً جمع الأدلة التي تثبت ملكية المحتوى أو الحق في استخدامه، مثل الملف الأصلي وتاريخ إنشائه وعقد الترخيص ورسائل الموافقة والفواتير والمراسلات مع المصور أو المصمم.
بعد ذلك يمكن تقديم اعتراض عبر القناة الرسمية التي توفرها إنستغرام، مع شرح مختصر وواضح وإرفاق الوثائق الضرورية.
وإذا تواصل شخص وطلب المال مقابل سحب البلاغ، ينبغي الاحتفاظ بلقطات شاشة للرسائل وعدم حذف المحادثة. وقد تساعد هذه الأدلة عند تقديم شكوى إلى المنصة أو السلطات المختصة.
لماذا لا ينبغي دفع الفدية؟
قد يبدو الدفع أسرع وسيلة لإنقاذ الحساب، خصوصاً عندما يعتمد صاحبه على المنصة في كسب دخله، لكنه يحمل مخاطر إضافية.
لا يوجد ما يجبر المحتال على سحب البلاغ بعد استلام المال، كما يمكنه إرسال شكايات جديدة أو بيع معلومات الضحية إلى محتالين آخرين.
ويؤدي الدفع أيضاً إلى تمويل هذا النوع من الأنشطة وتشجيع مرتكبيه على استهداف مزيد من صناع المحتوى.
وإذا كان الحساب يمثل نشاطاً تجارياً كبيراً، فمن الأفضل طلب مساعدة قانونية أو التواصل مع خبير في حقوق الملكية الفكرية، خصوصاً عندما تكون الشكاية مرتبطة بعقد أو مادة مرخصة أو نزاع حقيقي حول الملكية.
خطوات تحمي حسابك قبل وقوع المشكلة
لا توجد وسيلة تضمن منع جميع البلاغات الكاذبة، لكن يمكن لصناع المحتوى تقليل المخاطر وتحسين قدرتهم على الاعتراض بسرعة.
أولاً، احتفظ بالنسخ الأصلية من الصور والفيديوهات قبل نشرها، بما يشمل الملفات ذات الجودة الكاملة وبيانات الإنشاء والمراحل الأولية للعمل.
ثانياً، نظم تراخيص المحتوى في ملف واضح. وإذا حصلت على إذن لاستخدام أغنية أو صورة أو مقطع، احتفظ بالعقد أو الرسالة أو الفاتورة.
ثالثاً، لا تعتمد بالكامل على حساب إنستغرام. أنشئ موقعاً إلكترونياً وقائمة بريدية وحسابات على منصات أخرى، حتى لا يتوقف نشاطك بالكامل عند تعليق منصة واحدة.
رابعاً، احتفظ بسجل للعقود والشراكات الإعلانية وبيانات التواصل مع العملاء خارج الرسائل الخاصة بإنستغرام.
خامساً، فعّل المصادقة الثنائية، واستخدم كلمة مرور قوية ومختلفة، واحمِ البريد الإلكتروني المرتبط بالحساب بالطريقة نفسها.
سادساً، راجع قائمة الأجهزة والجلسات المفتوحة، ولا تمنح تطبيقات خارجية مجهولة صلاحية الوصول إلى حسابك.
سابعاً، تجنب الموسيقى والصور والفيديوهات مجهولة المصدر، ولا تفترض أن وجود مادة على الإنترنت يعني أنها متاحة للاستخدام الحر.
ثامناً، ضع خطة طوارئ تتضمن أسماء جهات الاتصال داخل الوكالة أو الشركة، والوثائق المطلوبة للاعتراض، والرسالة التي ستوجهها إلى العملاء إذا توقف الحساب.
علامات تكشف رسالة ابتزاز محتملة
يمكن التعرف على محاولات الابتزاز من خلال مجموعة من المؤشرات، أبرزها مطالبة صاحب البلاغ بالتواصل خارج إنستغرام أو الانتقال إلى تيليغرام وواتساب.
كما تُعد المطالبة بالدفع بواسطة العملات المشفرة أو بطاقات الهدايا علامة تحذير مهمة، إلى جانب استخدام عبارات تهديدية أو تحديد مهلة قصيرة جداً.
وقد يدعي المحتال أنه موظف في ميتا أو أنه قادر على إعادة الحساب فوراً. لكن موظفي المنصة لا يطلبون من المستخدم تحويل المال إلى محفظة خاصة مقابل سحب مخالفة.
وينبغي الحذر أيضاً من الحسابات التي تعرض خدمات “استرجاع الحسابات” وتزعم امتلاك علاقات داخلية مع إنستغرام. فقد تكون جزءاً من عملية الاحتيال نفسها أو محاولة جديدة لاستغلال الضحية.
أزمة تكشف هشاشة اقتصاد صناع المحتوى
تتجاوز المشكلة الجانب التقني، لأنها تكشف اعتماد عدد كبير من صناع المحتوى على منصة واحدة لا يملكون السيطرة الكاملة على قواعدها أو إجراءاتها.
وقد يتحول حساب يضم مئات الآلاف من المتابعين إلى مشروع تجاري يوفر وظائف ومداخيل، لكنه يظل معرضاً للتوقف نتيجة بلاغ أو خطأ تقني أو تغيير في الخوارزمية.
ولهذا، يحتاج صانع المحتوى إلى التعامل مع حسابه باعتباره أصلاً مهنياً، مع توثيق أعماله، وحماية علامته، وتنويع مصادر دخله وقنوات تواصله مع الجمهور.
وتظل حماية حقوق النشر ضرورية لمنع سرقة الأعمال الإبداعية، لكن فعاليتها ترتبط بقدرة المنصة على التمييز بسرعة بين صاحب الحق الحقيقي والمحتال الذي يستخدم الشكوى أداة للضغط.
وإلى أن تقدم ميتا آلية أكثر سرعة وشفافية للتحقق من النزاعات، سيظل صناع المحتوى مطالبين بالاحتفاظ بأدلة ملكيتهم، وتأمين حساباتهم، وتجنب دفع الأموال للمبتزين، وعدم وضع كامل نشاطهم المهني داخل منصة واحدة.






