يستأنف المغرب، ابتداءً من اليوم الأربعاء 16 شتنبر، عمليات استيراد القمح اللين بعد فترة من تعليق المشتريات الخارجية، في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية ارتفاعاً في الأسعار وتزايداً في المنافسة على الشحنات، خصوصاً مع تحرك كبار المستوردين في المنطقة.
ويتركز اهتمام المستوردين المغاربة، في المرحلة الحالية، على عدد من الأسواق الأوروبية، أبرزها فرنسا وبولونيا وليتوانيا وألمانيا، في ظل ظروف دولية تفرض ضغوطاً متزايدة على تكلفة استيراد الحبوب.
ويأتي استئناف عمليات الشراء في إطار آلية الدعم التي أعاد المغرب تفعيلها ابتداء من 16 شتنبر وحتى 31 دجنبر 2026، بهدف المساهمة في إعادة بناء المخزونات الوطنية من القمح اللين بعد تعليق الاستيراد خلال أشهر الصيف.
المنافسة الجزائرية تزيد الضغط على السوق
وتترقب السوق المغربية تطورات المنافسة الإقليمية على القمح، في ظل تحركات الجزائر لاقتناء كميات كبيرة من القمح اللين المخصص للطحن.
وكان الديوان الجزائري المهني للحبوب قد طرح طلباً دولياً لشراء القمح، فيما تشير بيانات أحدث إلى أن الجزائر أقدمت في منتصف شتنبر على شراء نحو 500 ألف طن من قمح المطاحن في صفقة كبيرة، مع توجه جزء من المشتريات نحو مصادر أوروبية، بما فيها رومانيا وبلغاريا ومصادر محتملة من منطقة البلطيق.
وتزيد مثل هذه المشتريات من حدة المنافسة على الشحنات المتاحة، خصوصاً في وقت تشهد فيه أسواق الحبوب الدولية تقلبات مرتبطة بتطورات الإمدادات والتكاليف اللوجستية.
الدعم الحكومي يعود اعتباراً من 16 شتنبر
ويأتي استئناف الاستيراد بعد تعليق المشتريات الخارجية منذ يونيو، وهي الفترة التي خصصت خلالها السلطات الأولوية لتسويق المحصول الوطني وتعزيز المخزونات المحلية.
وبموجب النظام الجديد، يستفيد القمح اللين المستورد من دعم حكومي محسوب على أساس الفارق بين تكلفة القمح المستورد وسعر مرجعي محدد في 270 درهماً للقنطار.
وبالنسبة إلى الفترة الممتدة من 16 إلى 30 شتنبر، حُدد الدعم في سقف يصل إلى 20.80 درهماً للقنطار، على أن تتم إعادة احتساب قيمة الدعم بشكل دوري وفق تطورات الأسعار الدولية وتكاليف الشحن وسعر الصرف.
وتنص الآلية أيضاً على أن الدعم يرتبط بالشحنات التي تم تحميلها في موانئ بلدان المنشأ خلال الفترة المحددة، مع صرف جزء من الدعم بعد إثبات الاستيراد، واستكمال الجزء المتبقي بعد إثبات تسليم الكميات إلى المطاحن الصناعية.
تدفقات محدودة في البداية
ويرى عبد القادر العلوي، رئيس الفيدرالية الوطنية للمطاحن، أن عمليات الاستيراد لن تعرف تدفقات كبيرة مباشرة مع بداية تطبيق الآلية الجديدة، بسبب ارتفاع الأسعار الدولية وكلفة الشحن، إلى جانب محدودية مستوى الدعم مقارنة بالفجوة بين تكلفة الاستيراد والأسعار المرجعية.
وبحسب المعطيات التي نقلتها تقارير محلية عن القطاع، من المنتظر أن تكون عمليات الوصول الأولى محدودة، قبل أن تتزايد وتيرة الشحنات خلال نهاية شتنبر وبداية أكتوبر، مع أخذ المدة التي تستغرقها الرحلات البحرية بين موانئ المصدر والموانئ المغربية بعين الاعتبار.
أوروبا في صدارة خيارات المستوردين
وتتجه الشركات المغربية، وفق المعطيات المتداولة في القطاع، إلى الأسواق الأوروبية لتموين حاجياتها من القمح اللين، مع التركيز خصوصاً على فرنسا وبولونيا وليتوانيا وألمانيا.
ويظل الاختيار الأوروبي مرتبطاً بعامل التكلفة، إذ تشير تقديرات القطاع إلى أن تكلفة القمح الأوروبي الواصل إلى المغرب تدور حول 310 يورو للطن، بينما تكون الشحنات القادمة من أمريكا الشمالية أكثر كلفة بسبب ارتفاع مصاريف النقل واللوجستيك.
وفي المقابل، لا تبدو منطقة البحر الأسود في صدارة خيارات المستوردين المغاربة خلال هذه المرحلة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تحيط بتدفقات الحبوب من روسيا وأوكرانيا وتكاليف الشحن والتأمين.
ضعف المخزون المحلي يضغط على السوق
ويأتي استئناف الاستيراد في وقت لا تزال فيه المخزونات المحلية دون المستوى المستهدف.
وكانت معطيات القطاع قد أشارت إلى جمع نحو 6 ملايين قنطار من القمح اللين محلياً، في وقت كان الهدف المعلن في البداية يقارب 15 مليون قنطار، ما جعل العودة إلى السوق الدولية ضرورة لضمان تزويد المطاحن بالحاجيات اللازمة.
ويظل مستوى المخزون المحلي أحد أبرز العوامل التي ستحدد وتيرة الواردات خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً مع ارتفاع الطلب على المادة الخام واستمرار تقلب أسعار القمح في الأسواق العالمية.
المغرب أمام سوق عالمية أكثر تنافسية
وتتزامن عودة المغرب إلى سوق القمح العالمية مع ظروف دولية معقدة، حيث تؤثر تحركات الدول المستوردة الكبرى على الأسعار وتوزيع الشحنات، بينما تظل تكاليف النقل والتأمين وسعر الصرف عوامل إضافية في تحديد السعر النهائي الذي يتحمله المستوردون.
وفي هذا السياق، سيكون أمام المغرب خلال الأشهر المقبلة تحدي تأمين إمدادات كافية من القمح اللين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تكلفة استيراد يمكن استيعابها ضمن آلية الدعم الحكومي.
ويشكل استئناف الاستيراد، الممتد من 16 شتنبر إلى 31 دجنبر 2026، خطوة جديدة لإعادة بناء المخزون الوطني بعد تعليق دام عدة أشهر، فيما ستظل تطورات الأسعار الدولية وحجم المحصول المحلي والمنافسة الإقليمية عوامل حاسمة في تحديد حجم الواردات خلال الفترة المقبلة.








