لم تعد علاقات التعاون الأمني بين المغرب وألمانيا تقتصر على التنسيق بشأن ملفات محددة أو الاستجابة لأزمات ظرفية، بل اتجهت خلال السنوات الأخيرة نحو توسيع مجالات التعاون لتشمل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود والهجرة غير النظامية، إلى جانب الأمن السيبراني وتأمين التظاهرات الرياضية الكبرى.

وتظهر اللقاءات المتتالية بين مسؤولي الأجهزة الأمنية في البلدين، فضلاً عن إدماج ألمانيا في آلية التنسيق الثلاثي التي تجمع المغرب وإسبانيا، اتساع دائرة الملفات التي أصبحت موضع تشاور وتبادل للخبرات والمعلومات.

وفي هذا السياق، يبرز اسم عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، باعتباره أحد المسؤولين الذين قادوا جانباً مهماً من الاتصالات الأمنية المغربية مع الجانب الألماني خلال السنوات الماضية. كما كان ديتر رومان، رئيس الشرطة الاتحادية الألمانية، من أبرز المسؤولين الألمان الذين شاركوا في هذه المشاورات.

لقاءات ثنائية تؤسس لتعاون أكثر تخصصاً

تعود إحدى أبرز المحطات الحديثة في التعاون الأمني المغربي الألماني إلى الزيارة التي قام بها حموشي إلى ألمانيا خلال الفترة الممتدة بين 24 و26 يونيو 2024، بدعوة رسمية من الجانب الألماني.

وخلال الزيارة، عقد المسؤول المغربي لقاءات عمل مع ديتر رومان، رئيس الشرطة الاتحادية الألمانية، وهولغر مينش، رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية، إلى جانب مسؤولين آخرين متخصصين في مكافحة الإرهاب والأمن الرياضي.

وبحسب المعطيات التي أعلنها الجانب المغربي بشأن الزيارة، تركزت المحادثات على سبل تطوير التعاون الثنائي في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، إلى جانب تبادل الخبرات في مجال تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى. كما شملت الزيارة الاطلاع على تجربة ألمانيا في التنسيق بين أجهزتها الأمنية ومكافحة التهديدات الإرهابية.

وتكتسب هذه المحطة أهمية إضافية بالنظر إلى أن المحادثات لم تتوقف عند التعاون الشرطي التقليدي، وإنما شملت مجالات تتطلب تخصصاً وتنسيقاً مؤسساتياً مستمراً، خصوصاً الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والأمن المرتبط بالمناسبات الرياضية.

ديتر رومان.. مسؤول ألماني حاضر في مسار التعاون

وكان ديتر رومان قد أجرى بدوره لقاءات مع حموشي في الرباط قبل ذلك، حيث أعلنت السلطات الأمنية المغربية أن الجانبين بحثا آليات تطوير التعاون الثنائي في مجال الأمن، وتبادل الخبرات والمعلومات، خاصة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

وفي يونيو 2022، أشاد رومان، خلال إحدى هذه اللقاءات، بالدور الذي يؤديه المغرب في مكافحة الإرهاب، معبراً عن تقدير الجانب الألماني لمعلومات أمنية سبق أن قدمتها الأجهزة المغربية لنظيرتها الألمانية بشأن تهديدات إرهابية. وهذه التصريحات تعود إلى ذلك اللقاء تحديداً، ولا ينبغي نسبتها إلى لقاءات 2026 من دون مصدر جديد يؤكد ذلك.

ويكشف هذا التسلسل الزمني أن التنسيق المغربي الألماني في المجال الأمني ليس وليد الأشهر الأخيرة، وإنما يرتكز على اتصالات بدأت منذ سنوات وتطورت تدريجياً من مكافحة الإرهاب إلى مجالات أمنية أخرى.

مكافحة الإرهاب لم تعد الملف الوحيد

إذا كان الإرهاب يشكل أحد المحاور الأساسية للتعاون بين البلدين، فإن طبيعة التهديدات الأمنية الحديثة دفعت إلى توسيع جدول الأعمال.

وتشمل الملفات التي أصبحت حاضرة في التعاون المغربي الألماني، وفق المعطيات المنشورة حول اللقاءات الثنائية والثلاثية، الجريمة المنظمة العابرة للحدود، الاتجار بالمخدرات، الهجرة غير النظامية، والجرائم السيبرانية، فضلاً عن أمن التظاهرات الرياضية.

وتطرح هذه الملفات تحديات تتجاوز حدود دولة واحدة، خصوصاً أن الشبكات الإجرامية تستطيع العمل عبر عدة دول في الوقت نفسه، والاستفادة من وسائل الاتصال الرقمية وتحويل الأموال والتنقل الدولي.

وفي هذا السياق، تصبح سرعة تبادل المعلومات والتنسيق بين الأجهزة المختصة عنصراً أساسياً في ملاحقة المطلوبين وتعقب الشبكات التي تنشط في أكثر من بلد.

الآلية الثلاثية.. المغرب وألمانيا وإسبانيا في مسار واحد

ومن أبرز مظاهر تطور التعاون الأمني مشاركة ألمانيا في آلية ثلاثية مع المغرب وإسبانيا، تحولت إلى لقاءات دورية بين مسؤولي الشرطة في الدول الثلاث.

وبدأ هذا المسار باجتماع في مدريد خلال يناير 2025، قبل أن تحتضن الرباط الاجتماع الموالي في 8 يناير 2026، بحضور حموشي، ورئيس الشرطة الوطنية الإسبانية فرانسيسكو باردو بيكيراس، ورئيس الشرطة الاتحادية الألمانية ديتر رومان.

ووفق المعطيات الرسمية المنشورة، تناولت المشاورات الثلاثية قضايا من بينها مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية وتجارة المخدرات والجريمة السيبرانية، إضافة إلى التنسيق بشأن الأمن الرياضي. كما شملت المحادثات مستوى التعاون الأمني والاستخباراتي وتبادل المعلومات بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك.

ويكشف هذا الإطار الثلاثي عن تغير طبيعة التعاون، من علاقة ثنائية بين دولتين إلى تنسيق أوسع يجمع أجهزة أمنية من ضفتي المتوسط.

أمن الساحل يدخل الحسابات الأوروبية

ويحضر الساحل والصحراء في خلفية عدد من النقاشات الأمنية المغربية الأوروبية، بالنظر إلى تداخل الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية في هذه المنطقة.

وخلال الاجتماع الثلاثي المنعقد في الرباط مطلع 2026، تناول المسؤولون أيضاً التطورات الأمنية الإقليمية، بما فيها تلك المرتبطة بمنطقة الساحل والصحراء، إلى جانب ملفات الإرهاب والجريمة العابرة للحدود.

ويُنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها واحدة من البيئات الأمنية المعقدة بالنسبة إلى دول شمال إفريقيا وأوروبا، بسبب تحرك شبكات الجريمة والتنظيمات المسلحة عبر الحدود، وما يرافق ذلك من تحديات على مستوى مراقبة الحدود وتبادل المعلومات.

بالنسبة إلى المغرب وألمانيا وإسبانيا، فإن تبادل التقييمات والمعطيات حول هذه الملفات يندرج ضمن التعاون الأوسع بشأن المخاطر التي يمكن أن تتجاوز آثارها المجال الجغرافي للدولة التي تنطلق منها.

الجريمة السيبرانية تفرض قواعد جديدة

التوسع في التعاون ليشمل الجرائم السيبرانية يعكس بدوره تغير طبيعة التهديدات التي تواجه الأجهزة الأمنية.

فالهجمات الإلكترونية والجرائم المرتبطة باستغلال الإنترنت لم تعد مرتبطة بالحدود الجغرافية بالشكل التقليدي، ويمكن أن تستهدف أفراداً ومؤسسات وشركات في دول مختلفة انطلاقاً من بنى تحتية موزعة عبر بلدان متعددة.

ولهذا أصبحت القدرات التقنية، وتبادل الخبرات في التحقيقات الرقمية، والتنسيق في تعقب المجرمين الإلكترونيين، جزءاً من أجندة التعاون بين الأجهزة الأمنية.

وقد أدرج الاجتماع الثلاثي المغربي الإسباني الألماني في يناير 2026 الأمن السيبراني ضمن الملفات التي جرى بحث مستوى التعاون بشأنها، إلى جانب الإرهاب والهجرة غير النظامية والاتجار بالمخدرات.

الأمن الرياضي يتحول إلى ملف استراتيجي

أصبح تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى بدوره جزءاً ثابتاً من التعاون الأمني المغربي الألماني.

وخلال زيارة حموشي إلى ألمانيا في 2024، جرى بحث الاستفادة من التجربة الألمانية في تأمين الفعاليات الرياضية، كما اطلع الوفد المغربي على عدد من الترتيبات الأمنية المعتمدة خلال تنظيم البطولات الكبرى.

وفي المغرب، تكثف أجهزة الأمن استعداداتها لتأمين الملاعب والمنشآت الرياضية، مع إدماج تقنيات المراقبة الحديثة وتعزيز التنسيق بين مختلف المصالح الأمنية. وقد عقدت المديرية العامة للأمن الوطني في يونيو 2026 سلسلة اجتماعات خصصت لتحديث بروتوكولات الأمن الرياضي ومواجهة أعمال الشغب، مع بحث استخدام تقنيات مثل المراقبة بالكاميرات والطائرات المسيرة ومراكز القيادة الميدانية.

ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة في ظل تنظيم المغرب عدداً من الاستحقاقات الرياضية الكبرى خلال السنوات المقبلة، إلى جانب استضافة كأس العالم 2030 بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال.

التعاون مع السويد يبرز البعد الأوروبي

ولا يقتصر التعاون الأمني المغربي على ألمانيا وإسبانيا، إذ كشفت مستجدات سبتمبر 2026 عن مستوى متقدم من التنسيق مع الشرطة السويدية.

ففي 26 شتنبر، أعلنت الشرطة السويدية توقيف مواطن سويدي يبلغ 31 عاماً في أكادير، قالت إنه كان يؤدي دوراً محورياً في شبكة Foxtrot الإجرامية، وكان مطلوباً لدى السلطات السويدية بموجب نشرة حمراء للإنتربول. وأشادت الشرطة السويدية بالتعاون مع الأجهزة المغربية في عملية التوقيف، مؤكدة أن التنسيق بين الجانبين أسهم في الوصول إلى المشتبه فيه.

وجاء ذلك بعد إعلان الشرطة السويدية في 4 شتنبر عن تسليم مشتبه فيهما إلى السويد من المغرب، عقب اتفاق تعاون أمني وقع بين الجانبين في وقت سابق من السنة، وخصص لمواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والجريمة الرقمية.

وتقدم هذه الوقائع مثالاً عملياً على تحول التعاون الأمني المغربي الأوروبي من تبادل المواقف إلى عمليات مشتركة لتحديد المطلوبين وتوقيفهم وتسليمهم وفق الأطر القانونية المعمول بها.

نحو تعاون قائم على المعلومات والقدرات

وتجمع مختلف هذه الملفات حول عنصر واحد: المعلومة.

ففي مكافحة الإرهاب، تحتاج الأجهزة الأمنية إلى تبادل المعطيات حول التحركات والتهديدات المحتملة. وفي مكافحة الجريمة المنظمة، يصبح الوصول إلى المشتبه فيهم وتعقب الشبكات المالية واللوجستية أكثر صعوبة عندما تتحرك عناصر الشبكة عبر عدة دول.

أما في الجرائم الإلكترونية، فتزداد أهمية التنسيق بسبب الطبيعة العابرة للحدود للبنية الرقمية نفسها.

ولهذا، أصبح التعاون بين الأجهزة الأمنية لا يقتصر على الاجتماعات السياسية، بل يشمل التدريب المتخصص وتبادل الخبرات والتنسيق العملياتي وتطوير قنوات الاتصال.

من التعاون الثنائي إلى شبكة أوروبية أوسع

المسار الذي يجمع المغرب وألمانيا يندرج ضمن شبكة أوسع من العلاقات الأمنية التي يطورها المغرب مع عدد من الدول الأوروبية.

فالمغرب يعمل مع ألمانيا وإسبانيا في إطار ثلاثي منتظم، كما أطلق في 2026 تعاوناً أمنياً أكثر مباشرة مع السويد، إلى جانب علاقات أمنية متطورة مع دول أوروبية أخرى.

ويعكس هذا التطور طبيعة الجريمة المعاصرة التي لا تتوقف عند الحدود الوطنية، ويجعل التعاون بين الشرطة وأجهزة الأمن في دول مختلفة جزءاً من عملية متواصلة لتبادل المعلومات والتنسيق.

وبالنسبة إلى المغرب وألمانيا، فإن السنوات الأخيرة أظهرت اتساع أجندة التعاون من مكافحة الإرهاب إلى الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والمخدرات والجرائم السيبرانية والأمن الرياضي.

أما الآلية الثلاثية مع إسبانيا، فقد أضافت مستوى جديداً إلى هذا التعاون، من خلال جمع الأجهزة الأمنية للدول الثلاث بشكل دوري لمناقشة الملفات المشتركة وتقييم المخاطر الإقليمية.

شراكة تتغير بتغير التهديدات

لم تعد خريطة المخاطر الأمنية في أوروبا وشمال إفريقيا شبيهة بما كانت عليه قبل سنوات. فقد تطورت أشكال الجريمة المنظمة، وانتقلت بعض أنشطتها إلى الفضاء الرقمي، في حين ظلت تحديات الإرهاب والهجرة غير النظامية حاضرة، وفرضت التظاهرات الرياضية الكبرى بدورها متطلبات أمنية جديدة.

في هذا السياق، يبدو التعاون المغربي الألماني جزءاً من تحول أوسع في طبيعة العمل الأمني الدولي، يقوم على تبادل المعلومات والخبرات وبناء القدرات والتنسيق بين الأجهزة المتخصصة.

وتؤكد اللقاءات الثنائية والثلاثية التي احتضنها المغرب وألمانيا وإسبانيا خلال 2025 و2026 أن هذا المسار أصبح أكثر انتظاماً واتساعاً، فيما أظهرت العمليات الأخيرة مع السويد أن التعاون الأمني المغربي الأوروبي بدأ يترجم أيضاً إلى نتائج عملية في مجال ملاحقة شبكات الجريمة العابرة للحدود.

المصادر: المديرية العامة للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، الشرطة الاتحادية الألمانية، الشرطة السويدية، ووسائل إعلام مغربية وأوروبية تناولت مسار التعاون الأمني المغربي الألماني والثلاثي المغربي الإسباني الألماني.

شارك المقال:
الاطّلاع على التعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *