عاد ملف التقاعد والمعاشات إلى واجهة النقاش السياسي في المغرب مع اقتراب الانتخابات التشريعية لـ2026، بعدما خصصت عدة أحزاب وحركات سياسية في برامجها الانتخابية مقترحات لتحسين أوضاع المتقاعدين، ورفع قيمة المعاشات، وتوسيع قاعدة المستفيدين، إلى جانب إصلاح أنظمة التقاعد وضمان استدامتها المالية.
وتتباين هذه المقترحات من حزب إلى آخر، بين رفع الحد الأدنى للمعاشات، وإقرار زيادات مباشرة، وربط تطور المعاشات بالتضخم أو الأجور، ووضع آليات جديدة لإصلاح الصناديق، إضافة إلى مراجعة بعض شروط الاستفادة من معاش الشيخوخة.
التقدم والاشتراكية: مناظرة وطنية وإصلاح شامل
وضع حزب التقدم والاشتراكية إصلاح منظومة التقاعد ضمن التزاماته للفترة الحكومية المقبلة، مقترحاً تنظيم مناظرة وطنية حول التقاعد خلال الأشهر الستة الأولى من الولاية الحكومية، بهدف الوصول إلى إصلاح توافقي وشامل للمنظومة.
كما يقترح الحزب الرفع التدريجي للمعاشات حتى تصل، على الأقل، إلى مستوى الحد الأدنى للأجر، إلى جانب توسيع قاعدة المستفيدين من أنظمة التقاعد وتحسين الحماية الاجتماعية للمتقاعدين.
وكان الحزب قد أكد، في رسالة مفتوحة وجهها إلى المتقاعدين والمتقاعدات، أن إصلاح المنظومة يجب أن يضمن دخلاً أكثر استقراراً وحماية اجتماعية فعلية، مع إلغاء التخفيض بنسبة 50 في المائة المطبق على معاشات الترمّل.
الحركة الشعبية: ربط المعاشات بتطور الأجور
ويركز حزب الحركة الشعبية على حماية القدرة الشرائية للمتقاعدين، من خلال الدعوة إلى وضع آلية منتظمة تسمح بإعادة تثمين المعاشات بما يراعي تطور الأجور وكلفة المعيشة.
وتنسجم هذه الرؤية مع مبادرة تشريعية سبق أن قدمها الفريق الحركي بمجلس النواب، وتقترح تمكين المتقاعدين من الاستفادة من الزيادات العامة في أجور الموظفين النشيطين، باعتبار أن ارتفاع تكاليف المعيشة يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للمعاشات الثابتة.
كما سبق للحزب أن طالب بإدراج تحسين معاشات المتقاعدين ضمن أولويات الحوار الاجتماعي، معتبراً أن ضعف عدد من المعاشات وتجمّدها لسنوات يطرح إشكالاً اجتماعياً متزايداً.
الاستقلال: إصلاح الصناديق وتحسين المعاشات الصغيرة
أما حزب الاستقلال، فيربط إصلاح منظومة التقاعد بتحسين أوضاع أصحاب المعاشات، خصوصاً الفئات التي تتقاضى معاشات محدودة.
وأكد الأمين العام للحزب، نزار بركة، أن إصلاح أنظمة التقاعد ينبغي ألا يتم بمعزل عن مراجعة قيمة المعاشات، مشدداً في الوقت نفسه على ضرورة التوصل إلى توافق مع النقابات الأكثر تمثيلية قبل تمرير الإصلاح.
ويضع الحزب، وفق تصريحاته خلال الحملة الانتخابية، تحسين المعاشات الصغيرة ضمن أولويات ورش إصلاح التقاعد، إلى جانب ضمان استدامة صناديق التقاعد وحماية حقوق المتقاعدين.
الاتحاد الاشتراكي: زيادة 25% وتقليص الفوارق
ويقترح حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية رفع الحد الأدنى للمعاشات بنسبة 25 في المائة، إلى جانب تقليص الفوارق بين المعاشات بنسبة 30 في المائة.
ويضع الحزب هذه المقترحات ضمن تصور يركز على حماية القدرة الشرائية للمتقاعدين وتحسين مداخيلهم، كما يتضمن برنامجه التزامات مرتبطة تدريجياً بتوحيد أنظمة التقاعد.
الأصالة والمعاصرة: حد أدنى للمعاش بـ3000 درهم
ويقترح حزب الأصالة والمعاصرة وضع حد أدنى موحد للمعاشات، بحيث لا يقل معاش أي متقاعد عن 3000 درهم شهرياً ابتداء من السنة الثانية من الولاية الحكومية، وفق برنامجه الانتخابي المنشور لشهر شتنبر 2026.
ولا يقتصر المقترح على المتقاعدين فقط، إذ يتضمن البرنامج أيضاً رفع معاش الأرملة إلى 100 في المائة من معاش الزوج المتوفى بدل 50 في المائة المعمول بها حالياً، بحسب ما أورده الحزب في برنامجه.
التجمع الوطني للأحرار: مواصلة رفع المعاشات
وفي برنامج التجمع الوطني للأحرار، يحضر ملف التقاعد ضمن الالتزامات الاجتماعية للحزب، الذي يتعهد بمواصلة الرفع من معاشات التقاعد خلال الولاية الحكومية 2026-2031.
ويرتكز جزء من هذا التصور على إجراءات سبق أن اتخذتها الحكومة، من بينها تخفيض شرط الاستفادة من معاش الشيخوخة بالنسبة إلى المؤمن لهم بالقطاع الخاص من 3240 يوم اشتراك إلى 1320 يوماً.
كما سبق أن أعلنت الحكومة، وفق معطيات رسمية مرتبطة بالاتفاق الاجتماعي، عن زيادة بنسبة 5 في المائة في بعض معاشات القطاع الخاص مع حد أدنى محدد للزيادة وأثر رجعي لفئة من المتقاعدين.
ويتعهد الحزب كذلك بمواصلة توسيع الاستفادة من الحماية الاجتماعية لفئات تواجه صعوبات في الولوج إلى أنظمة التقاعد، مع الحفاظ على الإجراءات التي تستهدف إدماج مزيد من العاملين في منظومة الحماية الاجتماعية.
تحالف اليسار: زيادة 2000 درهم وحد أدنى بـ3000
ويطرح تحالف اليسار مقترحات مباشرة لفائدة المتقاعدين، أبرزها إقرار زيادة عامة قدرها 2000 درهم شهرياً في المعاشات، مع اعتماد حد أدنى للمعاش لا يقل عن 3000 درهم.
ويتضمن البرنامج أيضاً ربط المعاشات بالتضخم، وإلغاء الضريبة عليها، إلى جانب إقرار نظام متحرك للمعاشات يواكب التحولات الاقتصادية.
كما يقترح التحالف رفع معاش الأرملة أو الزوج الباقي على قيد الحياة إلى 100 في المائة من معاش المستفيد المتوفى، بدلاً من النسبة المعمول بها حالياً وفق ما يورده البرنامج، مع إخضاع صناديق التقاعد والمؤسسات الاجتماعية لعمليات افتحاص مالي ومحاسبي واكتواري مستقل ونشر نتائجها للعموم.
مقترحات متعددة أمام ملف واحد
وتكشف البرامج الانتخابية الحالية عن اختلاف واضح في الأدوات المقترحة لمعالجة ملف التقاعد.
فبعض الأحزاب يركز على رفع الحد الأدنى للمعاشات، بينما يركز بعضها الآخر على إعادة تثمين المعاشات وربطها بالأجور أو بالتضخم، فيما تضع أحزاب أخرى إصلاح الصناديق وضمان استدامتها في صلب مقاربتها.
وفي المقابل، تتقاطع أغلب المقترحات حول مسألة واحدة تتمثل في تحسين القدرة الشرائية للمتقاعدين وتوسيع الحماية الاجتماعية، مع تفاوت كبير في قيمة الزيادات المقترحة وطريقة تنفيذها ومواعيد تنزيلها.
وتأتي هذه المقترحات في سياق نقاش أوسع حول مستقبل أنظمة التقاعد في المغرب، بما يشمل التوازن المالي للصناديق، وتوسيع قاعدة المساهمين والمستفيدين، وحماية حقوق المتقاعدين، وهي قضايا يتوقع أن تظل في صلب النقاش الاجتماعي والمؤسساتي خلال المرحلة المقبلة.








